محمد عبد الله دراز
350
دستور الأخلاق في القرآن
آخر ؟ . وهل كان من عمل الصّدفة أن نختار فارس ، لا مصر وجزيرة العرب مثلا ؟ . . . ولما ذا اختيرت الهند البرهمية ، دون غيرها ؟ . . ويجيب المؤلف في مقدمته أنّه حدد حقل ملاحظاته ، بحيث لا يشمل سوى مجتمعات أمكنه بالنسبة إليها أن يؤيد الأحداث بالوثائق المؤكدة . ولكن ، هل نحن أكثر اطمئنانا لوثائقنا عن القواعد العرفية لقبائل إفريقية الشّمالية منا عن النّظم المكتوبة لمواطنيهم ؟ . وعن القبائل الإسترالية منا عن جيرانهم في جزر الهند الشّرقية ( أندونيسيا ) ؟ ، وعن « الأفستا » أو « الفيدا » ، أو قانون حمورابي منا عن القرآن ؟ . والحقّ أننا مندهشون مما حدث ، من أن المؤلف على طول مسيرته من الصّين إلى مراكش ، ومنذ القرن السّابع حتّى الآن ، قد سار في كلّ خطوة بمحاذاة مجتمعات إسلامية ، دون أن يقف عندها ، فكان كلّ همه أن يدور حولها ، ويتجاوزها . ومع ذلك ، فإنّ دراسة هذه المجتمعات ، الّتي لا تمثل عددا يمكن تجاهله على سطح الكرة الأرضية ، لا تحمل كثيرا من الصّعوبات ، أو التّعقيدات ، إنّهم عدة مئات من ملايين النّاس ، لديهم توافق معين فيما يتعلق بقانونهم الأساسي ، ويعيشون تحت أعيننا ، وقد عقدت أوروبا معهم علاقات اقتصادية ، وسياسية دائمة . وربما كان فوكونية [ Fauconnet ] شخصيا على جهل بما يأمر به الشّرع الإسلامي في هذا الموضوع ، على الرّغم من أنّه أشار إليه إشارة غير مباشرة « 1 » . وقليلا ما يهمنا أن نعرف الدّافع الّذي حتم هذا الإغفال المقصود ، لكنا نلاحظ فحسب أنّ النّقص الخطير الّذي نشأ عن هذا الأغفال يقدم إلينا النّتيجتين اللتين
--> ( 1 ) انظر ، 1 - Fauconnet , La Responsabilite , Etude de Sociologie , . 122 هامش : 1 .